هذا الخبر يأتيكم برعاية موقع عيون الجزيرة الاخباري ويتمنى لكم قضاء وقت ممتع في قراة هذا الخبر
إذا ما نظرنا إلى جلسات العصف الذهني وأنشطة توليد الأفكار في المؤسسات، نستطيع أن نرصد ظاهرة متكررة؛ ففي الدقائق الأولى، تتسارع وتيرة الطرح وتتدفق المقترحات بمرونة وزخم ملحوظين، إلا أن هذا التدفق سرعان ما يتباطأ ليحل محله السكون الفكري. وغالباً ما يدفع هذا الركود المفاجئ المديرين وقادة الفرق إلى اختتام الجلسات مبكراً، مدفوعين باعتقاد سائد بأن القدرات الإبداعية للفريق قد استُنفدت، وأن ذروة الإنتاج المعرفي قد تحققت بالفعل. ولكن يجول في خاطري هنا تساؤل مهم: ماذا لو كان هذا التراجع الظاهري في تدفق الأفكار ليس سوى وهم معرفي يخدع عقولنا؟ وماذا لو كانت لحظة الصمت هذه هي المخاض الفعلي لولادة الابتكار الأصيل؟
يتجلى هنا مفهوم علمي عميق يُعرف بـوهم جرف الإبداع (The Creative Cliff Illusion). وقد سلطت العديد من الدراسات الضوء على هذه الظاهرة منها دراسة مرجعية نشرت في مجلة الأكاديمية الأمريكية الوطنية للعلوم عام 2020. فقد أثبتت الأبحاث التي شملت ثماني دراسات مخبرية وميدانية، وجود فجوة كبيرة بين توقعاتنا وواقعنا المعرفي. فالناس يميلون إلى الاعتقاد بأن قدرتهم على إنتاج أفكار إبداعية تنحدر بشكل حاد بمرور الوقت، تماماً كالسقوط من على جرف، بينما تُظهر القياسات الموضوعية لجودة الأفكار أن الأداء الإبداعي في الواقع لا ينهار، بل يميل إلى الاستقرار أو حتى التحسن الملحوظ كلما استمرت جلسة العصف الذهني.
ولفهم جذور هذه الظاهرة النفسية، يجب أن نطّلع على ما يعرف بالمشاعر فوق المعرفية. ببساطة، تخلط عقولنا باستمرار بين سهولة إنتاج الفكرة وبين جودتها. في بداية أي جلسة تفكير، يكون استدعاء الأفكار المألوفة والتقليدية أمراً سهلاً وسريعاً، مما يعطينا شعوراً زائفاً بالإنتاجية العالية. ولكن عندما تستنفد هذه الأفكار السطحية، يبدأ العقل في بذل جهد حقيقي لربط مفاهيم جديدة ومتباعدة لخلق شيء مبتكر. هذا الجهد يترجم فوراً إلى إحساس بالصعوبة والبطء، فيفسره الفرد عن طريق الخطأ على أنه نضوب في طاقته الإبداعية، مع أن هذه الأفكار التي تأتي بصعوبة هي في الغالب الأكثر جدّة وأصالة.
وعلى الصعيد المؤسسي، تدفع بيئات العمل ضريبة باهظة نتيجة هذا الوهم. فالاعتقاد الخاطئ بتراجع الإبداع يقلل من مثابرة الأفراد، مما يدفع الفرق إلى التوقف مبكراً والرضا بأولى الأفكار المطروحة. هذا الركون للمألوف يحرم المؤسسات من الوصول إلى الابتكارات الاستثنائية والحلول الجذرية، ويجعلها تدور في فلك التحسينات الطفيفة والآمنة. تشير الأبحاث إلى أن الوقود الإبداعي لا يزال متوفراً ومخزوناً لدى الموظفين، لكن غياب الوعي بهذا الوهم المعرفي يجعلهم يرفعون راية الاستسلام الذهني قبل الأوان، مما يضعف الأداء الإبداعي الكلي لمنظومة العمل. وإلى جانب التعب المعرفي، يلعب المناخ التنظيمي دوراً أساسياً في تسريع السقوط في هذا الفخ، وتحديداً من خلال مستوى الأمان النفسي المتاح داخل فرق العمل. ففي كثير من الأحيان، لا يكون التوقف المفاجئ عن طرح الأفكار ناتجاً عن نضوب القدرة العقلية فحسب، بل عن الخوف المبطن من التقييم. بمجرد استنفاد الأفكار الآمنة والمألوفة التي تحظى بالقبول السريع والاعتيادي، تصبح الأفكار اللاحقة بطبيعتها أكثر غرابة وتتطلب مخاطرة أكبر لتقديمها. وإذا لم ينجح القائد في ترسيخ بيئة عمل آمنة تتقبل الطرح الجريء والمختلف دون إطلاق أحكام مسبقة، فإن الموظفين سيحتمون لا شعورياً خلف هذا الجرف الإبداعي الوهمي، متخذين منه عذراً منطقياً ومقبولاً للتوقف والانعزال هرباً من دائرة النقد.
ولمواجهة هذا التحدي، يتوجب على القادة والمديرين تبنّي استراتيجيات مغايرة في إدارة العمليات الإبداعية، مدعومة بتوصيات علمية وعملية. يبدأ الحل بإعادة هندسة جلسات توليد الأفكار من خلال زيادة الوقت المخصص لها، وتجاوز الدقائق الأولى التي غالباً ما تفرز البديهيات فقط. كما يمكن تغيير معايير النجاح في هذه الجلسات عبر التركيز على حصص الأفكار بدلاً من الحدود الزمنية؛ كأن يُطلب من الفريق عدم إنهاء الاجتماع قبل تدوين عدد معين من الأفكار، مما يجبر العقل على كسر حاجز التعب الوهمي. الأهم من ذلك هو دور القائد في طمأنة فريقه، وتأسيس ثقافة تدرك أن الشعور بالجمود والصعوبة ليس نهاية الطريق، بل هو البوابة التي نعبر منها نحو الأفكار الأصيلة. فالإبداع الحقيقي لا يتطلب ومضة إلهام عابرة فحسب، بل يتطلب مثابرة ذهنية تتحدى الوهم.
كذلك يمكن توظيف استراتيجية الأثلاث الثلاثة للتعامل مع هذا التحدي. تقوم هذه الطريقة على تقسيم جلسة العصف الذهني، أو الحصة المستهدفة من الأفكار، إلى ثلاث مراحل متتالية. في الثلث الأول، يُفرغ العقل حمولته من الأفكار البديهية والمكررة. وفي الثلث الثاني، تبدأ مرحلة التخبط المعرفي الإيجابي حيث تظهر أفكار معقدة أو ربما غير قابلة للتنفيذ بصورتها المبدئية.
شكرا لمتابعينا قراءة خبر كيف تخدعنا عقولنا لنتخلى عن أفضل الأفكار؟ في عيون الجزيرة ونحيطكم علما بان محتوي هذا الخبر تم كتابته بواسطة محرري موقع الخليج الاماراتي ولا يعبر اطلاقا عن وجهة نظر عيون الجزيرة وانما تم نقله بالكامل كما هو، ويمكنك قراءة الخبر من المصدر الاساسي له من الرابط التالي موقع الخليج الاماراتي مع اطيب التحيات.
*** تنويه هام ***
موقع عيون الجزيرة لا يمت بأي صلة لشبكة الجزيرة الاخبارية او قنوات الجزيرة القطرية فنحن موقع اخباري خليجي متعدد المصادر




