Aljazeera Eyes

التحول إلى اقتصاد العقول

هذا الخبر يأتيكم برعاية موقع عيون الجزيرة الاخباري ويتمنى لكم قضاء وقت ممتع في قراة هذا الخبر

لم يعد مستقبل الدول يُقاس بما تختزنه تحت الأرض، بل بما استطاعت تشغيله فوقها. ففي الوقت الذي كانت تتجه فيه أنظار العالم نحو قفزات الذكاء الاصطناعي خلال القمة العالمية للحكومات 2026، خرجت الإمارات برسالة استراتيجية مغايرة، مفادها أن المستقبل لا يُكتب برموز الخوارزميات وحدها، بل يُضاء بالطاقة. ففي عالم أصبح فيه الذكاء الاصطناعي العصب الخفي للاقتصاد، والأمن، وصناعة القرار، برزت حقيقة أساسية كثيراً ما غُفلت وسط الضجيج التقني: الذكاء الاصطناعي لم يكن ثورة برمجية بقدر ما كان ثورة طاقة.
وانطلاقًا من هذا الفهم العميق، جاء طرح الجهات الحكومية في دولة الإمارات، من على منصة القمة العالمية للحكومات 2026، ليؤكد الأهمية المحورية للذكاء الاصطناعي ودوره في تشكيل مستقبل العمل الحكومي، لا بوصفه استعراضاً لإنجازات، بل كرسالة استراتيجية واضحة مفادها أن حوكمة المستقبل بدأت من البنية التحتية للطاقة، لا من الخوارزميات وحدها.
في الثورة الصناعية الأولى، كان الفحم هو الوقود الذي حرّك المصانع وغيّر موازين القوة. أما اليوم، فقد باتت مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي تمثل مصانع العصر الرقمي الجديد، تعمل بلا توقف، وتستهلك كميات هائلة من الكهرباء، وتحتاج إلى طاقة مستقرة يمكن الاعتماد عليها لعقود. ولهذا لم يعد الذكاء الاصطناعي تحدياً تقنياً فقط، بل تحوّل إلى تحدٍ في الطاقة وسيادي بامتياز، خاصة مع التقديرات التي أشارت إلى أن استهلاك مراكز البيانات في الدولة قد يرتفع بنسبة تصل إلى 500% بحلول عام 2040.
أمام هذا الواقع، اختارت الإمارات أن تبدأ من القاعدة الصلبة. فبدلاً من ملاحقة التطبيقات والنماذج فقط، ركزت على بناء منظومة طاقة قادرة على تشغيل المستقبل بثقة. وكان إعلان سهيل المزروعي، وزير الطاقة والبنية التحتية، عن وصول القدرة المركبة للطاقة المتجددة إلى 7.7 جيجاواط، بنمو بلغ 117% خلال الأعوام 2022–2025، مؤشراً لا يمكن قراءته فقط في سياق الاستدامة البيئية، بل كخطوة استراتيجية لتأمين الوقود الحقيقي للاقتصاد الرقمي المقبل.
وفي قلب هذه المنظومة، تربعَت محطة براكة للطاقة النووية السلمية في منطقة الظفرة كقلب هادئ لكنه نابض، ضخّ الاستقرار في شبكة كهرباء بُنيت عليها رهانات الذكاء الاصطناعي. فمنذ اكتمال تشغيل وحداتها الأربع عام 2024، أصبحت براكة أكبر مصدر منفرد للكهرباء في الدولة، وأول محطة نووية في العالم العربي، بإنتاج سنوي وصل إلى 40 تيراواط/ساعة، غطّى نحو ربع احتياجات الدولة من الكهرباء، وخفّض في الوقت ذاته قرابة 22.4 مليون طن من الانبعاثات الكربونية سنوياً. ومع وصول إنتاجها التراكمي إلى 120 تيراواط/ساعة، وهو ما يعادل احتياجات مدينة كبرى مثل نيويورك، لم تعد براكة مجرد مشروع طاقة نظيفة، بل أصبحت ركيزة صامتة للسيادة الرقمية وأمن الإمداد الكهربائي في زمن يتطلب طاقة لا تعرف الانقطاع.
إلى جانب هذا الاستقرار النووي، تحركت أبوظبي على مسار توسع سريع في الطاقة الشمسية قادته شركة أبوظبي لطاقة المستقبل «مصدر». ففي يناير 2025، وُضع حجر الأساس لأكبر مشروع مستقل للطاقة الشمسية في العالم بقدرة 5.2 جيجاواط، مدعوماً بنظام تخزين بطاريات بسعة 19 جيجاواط/ساعة، ليكسر القيد التاريخي للطاقة الشمسية ويحوّلها إلى مصدر يعمل على مدار الساعة.
لم يكن هذا المشروع استثناءً، بل جاء جزءاً من منظومة متكاملة، قادتها ورسمت أطرها الاستراتيجية دائرة الطاقة – أبوظبي، وأعادت من خلالها تشكيل مزيج الطاقة في الإمارة، حيث ارتفعت نسبة الطاقة النظيفة في أبوظبي من نحو 1% قبل سنوات قليلة إلى أكثر من 45%، مع هدف واضح للوصول إلى 60% خلال السنوات الخمس المقبلة.
كما واكب هذا التحول إضافة أكثر من 3 جيجاواط سنوياً من الطاقة الشمسية، ما قاد إلى قدرة إجمالية تجاوزت 33 جيجاواط من الطاقة المتجددة، في واحدة من أسرع عمليات التحول في قطاع الطاقة عالمياً. ومع توسع محفظة «مصدر» العالمية إلى نحو 65 جيجاواط موزعة على 40 دولة، بات واضحاً أن الطاقة النظيفة الإماراتية لم تعد حلاً محلياً، بل منصة عالمية تتقاطع عندها الجغرافيا مع التكنولوجيا.
لكن السؤال الجوهري الذي طُرح خلال القمة كان: لماذا كل هذا التركيز على الطاقة الآن؟ والإجابة اختُصرت بحرفين حملا وزناً اقتصادياً وسيادياً هائلاً: «AI» الذكاء الاصطناعي. فمراكز البيانات التي تشغّل نماذج الذكاء الاصطناعي العملاقة كانت ولا تزال تحتاج إلى كهرباء موثوقة بقدر حاجتها إلى الخوارزميات. وفي هذا السياق، تحولت الطاقة من ملف بنية تحتية تقليدي إلى عنصر حاسم في تحديد من يقود الاقتصاد الرقمي ومن يكتفي بالاستهلاك.
ومن هنا جاء الإعلان عن مشروع «ستارجيت الإمارات» في مايو 2025، ضمن مجمع الذكاء الاصطناعي الإماراتي–الأمريكي في أبوظبي، على مساحة امتدت لعشرة أميال مربعة. وقد صُمم المشروع لتزويد مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي بقدرة كهربائية تصل إلى 5 جيجاواط، معتمداً على مزيج متوازن من الطاقة النووية والشمسية والغاز الطبيعي، في نموذج جمع بين الاستدامة والموثوقية العالية.
وقد وصف لاري إليسون، مؤسس شركة أوراكل، المشروع بأنه علامة فارقة أرست معياراً جديداً للسيادة الرقمية، في إشارة إلى أن من امتلك القدرة على تشغيل الذكاء الاصطناعي امتلك نفوذاً يتجاوز الحدود.
وراء هذه المشاريع وقفت استثمارات كشفت حجم الرهان الاستراتيجي. فقد كان هناك 25 مشروع طاقة قيد التنفيذ بقيمة تجاوزت 103.6 مليار درهم، واستراتيجية طاقة ممتدة حتى عام 2050 باستثمارات مخطط لها وصلت إلى 600 مليار درهم، إلى جانب استثمارات محتملة في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي قُدرت بنحو 100 مليار دولار. وفي أبوظبي وحدها، استُثمر أكثر من 35 مليار درهم سنوياً في أنظمة الطاقة والمياه، مع توقعات بتجاوز إجمالي الاستثمارات 300 مليار درهم خلال العقد المقبل، في مسار أكد أن التحول في قطاع الطاقة خيار سيادي طويل الأمد لا استجابة ظرفية.
في هذا المشهد، أُعيد تعريف معنى القوة. ففي الماضي، كان النفط يُصدَّر ليُشغّل مصانع العالم، أما اليوم، فقد باتت الطاقة النظيفة تُولَّد محلياً لتُشغّل مراكز البيانات وعقول الذكاء الاصطناعي التي تعيد تشكيل الاقتصاد العالمي.
*كاتب وباحث

شكرا لمتابعينا قراءة خبر التحول إلى اقتصاد العقول في عيون الجزيرة ونحيطكم علما بان محتوي هذا الخبر تم كتابته بواسطة محرري موقع الخليج الاماراتي ولا يعبر اطلاقا عن وجهة نظر عيون الجزيرة وانما تم نقله بالكامل كما هو، ويمكنك قراءة الخبر من المصدر الاساسي له من الرابط التالي موقع الخليج الاماراتي مع اطيب التحيات.

*** تنويه هام ***
موقع عيون الجزيرة لا يمت بأي صلة لشبكة الجزيرة الاخبارية او قنوات الجزيرة القطرية فنحن موقع اخباري خليجي متعدد المصادر

أخبار متعلقة :