أخبار سلطنة عمان | الهدر الدوائي.. من أمل الشفاء إلى مخازن عبء صحي | عيون الجزيرة الاخبارية عمان

هذا الخبر يأتيكم برعاية موقع عيون الجزيرة الاخباري ويتمنى لكم قضاء وقت ممتع في قراة هذا الخبر

تُعدّ الزوايا المكدّسة بالأدوية في منازلنا رمزًا للأمل في الشفاء، غير أن هذا الأمل كثيرًا ما يتحوّل مع مرور الوقت إلى عبءٍ صحي وبيئي ثقيل، فلم تعد الثلاجات تُخصّص لحفظ الطعام فحسب، بل غدت أماكن لتكديس الأدوية بمختلف أنواعها؛ حيث يتجاور المفتوح مع المغلق، والفعّال مع منتهي الصلاحية، في مشهد يعكس خللًا في التعامل مع الدواء داخل المنازل.

وقد أجرت «عُمان» عددًا من اللقاءات مع عدد من الصيادلة وأفراد المجتمع، أجمعوا خلالها على أن القضية تجاوزت كونها مجرد تراكم لأدوية غير مستخدمة لتتحول إلى تحدٍ صحي وبيئي حقيقي يستدعي مراجعة شاملة لمنظومة وصف وصرف واستخدام الأدوية، إلى جانب تعزيز الوعي المجتمعي بوصفه ركيزة أساسية للتغيير.

تقول مآثر بنت محمد الرحبية (صيدلانية): إن الهدر الدوائي يُعدّ استخدامًا غير فعّال للأدوية، بحيث لا تحقق الفائدة العلاجية المرجوّة، ويمكن تعريفه علميًا بأنه استخدام غير أمثل للدواء يؤدي إلى فقدان فائدته العلاجية أو ضياعه دون تحقيق الهدف الصحي المطلوب، موضحة أن الهدر الدوائي قد يحدث عندما يُصرف الدواء بجرعة صحيحة، لكن لا يلتزم المريض بإكمال مدة العلاج، أو عندما يُخزَّن الدواء بطريقة خاطئة تؤدي إلى فقدان فعاليته.

الأسباب

وأضافت الرحبية: إن أسباب الهدر الدوائي في المجتمع يمكن تلخيصها في خمسة محاور رئيسية؛ أولها أسباب متعلقة بالمريض، مثل عدم الالتزام بالجرعات أو مدة العلاج أو نسيان تناول الدواء. وثانيها أسباب تتعلق بوصف الدواء، كصرف أدوية غير ضرورية أو كميات تفوق حاجة المريض. كما تشمل الأسباب ضعف الوعي الصحي، وعدم إدراك أهمية إكمال العلاج، إلى جانب أسباب مرتبطة بالنظام الصحي، مثل سهولة صرف الأدوية دون رقابة، وغياب سياسات واضحة لإعادة أو التخلص الآمن من الأدوية، فضلًا عن أسباب اجتماعية وسلوكية.

وأكدت الرحبية أن الهدر الدوائي ينعكس بشكل مباشر على صحة المرضى، إذ يؤدي إلى عدم تحقيق الفائدة العلاجية المطلوبة، وقد يتسبب في فشل العلاج أو تأخر الشفاء، واستمرار الأعراض أو عودتها بصورة أشد. كما أن سوء استخدام الأدوية قد يفضي إلى مضاعفات صحية، ويجبر المريض على اللجوء إلى أدوية أقوى أو الدخول إلى المستشفى، ما يشكّل عبئًا صحيًا إضافيًا. إضافة إلى ذلك، فإن تناول أدوية غير ضرورية أو منتهية الصلاحية قد يؤدي إلى آثار جانبية دون أي فائدة علاجية تُذكر.

مقاومة البكتيريا

من جهتها، أوضحت الصيدلانية مآثر بنت محمد الرحبية وجود علاقة مباشرة وواضحة بين الهدر الدوائي وازدياد مقاومة البكتيريا للمضادات الحيوية، موضحة أن الاستخدام غير الصحيح لهذه الأدوية -كعدم الالتزام بالجرعات المقررة أو إيقاف العلاج قبل إكمال مدته- يؤدي إلى عدم القضاء الكامل على البكتيريا المسببة للمرض. وتبقى بعض السلالات البكتيرية حيّة، ما يتيح لها التكيّف مع الدواء وتطوير آليات مقاومة تجعله أقل فاعلية أو عديم الجدوى في المرات اللاحقة.

وأضافت الرحبية: إن هذه الممارسات تسهم في تفاقم المشكلات الصحية العامة، إذ يضعف العلاج وتفشل السيطرة على العدوى، ما يؤدي إلى تأخر الشفاء أو استمرار المرض، وبالتالي زيادة احتمالية نقل العدوى داخل المجتمع، وهو ما يشكّل تهديدًا مباشرًا للصحة العامة.

الآثار الاقتصادية للهدر الدوائي

وحول الآثار الاقتصادية للهدر الدوائي، أشارت الرحبية إلى أن انعكاساته تطال الأفراد والأنظمة الصحية على حد سواء، فعلى مستوى الأفراد يؤدي شراء أدوية لا تُستخدم أو عدم استكمال العلاج إلى خسائر مالية مباشرة، فضلًا عن تكبّد تكاليف إضافية نتيجة فشل العلاج أو حدوث مضاعفات تستدعي زيارات متكررة للطبيب أو اللجوء إلى أدوية بديلة غالبًا ما تكون أعلى تكلفة.

أما على مستوى الأنظمة الصحية، فإن الهدر الدوائي يسهم في استنزاف الموارد المالية نتيجة صرف أدوية غير ضرورية، أو إتلاف أدوية منتهية الصلاحية، أو إعادة علاج المرضى بسبب سوء الاستخدام. كما يؤدي إلى زيادة الضغط على المستشفيات والعيادات، وارتفاع تكاليف الرعاية الصحية بشكل عام.

وبيّنت الرحبية أن الهدر الدوائي يعني إنفاق موارد مالية دون تحقيق فائدة علاجية حقيقية؛ فشراء كميات تفوق الحاجة أو تخزين الأدوية بطرق غير سليمة يؤدي إلى انتهاء صلاحية الكثير منها وإتلافها، ما يشكّل خسارة مباشرة في الميزانية. كما أن تكرار صرف الأدوية نفسها أو صرف أدوية غير ضرورية يرفع حجم الإنفاق دون تحسّن ملموس في النتائج الصحية. ومع تراكم هذه الخسائر، تتقلص ميزانية الأدوية المتاحة، ما قد يؤثر على توفر بعض العلاجات الأساسية ويحدّ من قدرة المؤسسات الصحية على تلبية احتياجات المرضى بكفاءة.

إجراءات فعّالة

وأوضحت الصيدلانية مآثر بنت محمد الرحبية أن الحد من الهدر الدوائي يتطلب اتخاذ مجموعة من الإجراءات العملية على مستويات مختلفة، سواء على مستوى الأفراد أو المجتمع أو النظام الصحي، بما يضمن الاستخدام الأمثل للأدوية ويقلل الخسائر الصحية والمالية. فعلى مستوى الأفراد يجب الالتزام بالجرعات ومدة العلاج كما وصفها الطبيب، وعدم إيقاف الدواء قبل إكمال المدة المحددة، وتجنّب استخدام أدوية الآخرين أو شراء أدوية دون وصفة طبية، وتخزين الأدوية بطريقة صحيحة بعيدًا عن الحرارة والرطوبة والضوء للحفاظ على فعاليتها.

أما على مستوى المجتمع والمرافق الصحية، فيتطلب تحسين سياسات صرف الأدوية بحيث تُعطى الكميات المناسبة لكل مريض، ومراجعة المخزون بشكل دوري للتأكد من صلاحية الأدوية، وتشجيع إعادة تدوير الأدوية غير المستخدمة بطريقة آمنة عند توفر برامج لذلك، وزيادة التوعية الصحية بين المرضى حول أهمية الالتزام بالعلاج وأضرار الهدر.

أساليب عملية

مشيرة إلى أنه يمكن تعزيز وعي المرضى بأهمية الاستخدام السليم للأدوية من خلال أساليب متعددة، من بينها تقديم معلومات واضحة وبسيطة عن الدواء تشمل طريقة الاستخدام والجرعة ومدة العلاج وأهمية إكماله حتى عند الشعور بالتحسن، مع شرح المخاطر الناتجة عن عدم الالتزام مثل فشل العلاج والمضاعفات والمقاومة الدوائية.

بالإضافة إلى استخدام الملصقات والكتيبات التوعوية التي تشرح التعليمات بطريقة مبسطة وسهلة الفهم، وتنظيم حلقات عمل أو حملات توعوية في المستشفيات والمراكز الصحية أو عبر وسائل التواصل الاجتماعي لزيادة وعي المجتمع حول الهدر الدوائي وأهمية الاستخدام الصحيح للأدوية، فضلًا عن تشجيع المرضى على طرح الأسئلة والاستفسار عن أدويتهم لفهم الجرعات والآثار الجانبية وكيفية التخزين الصحيح، وإشراك الأسرة والمجتمع في التوعية لتذكير المرضى بالالتزام بالعلاج والحد من مشاركة الأدوية بين أفراد الأسرة، مما يعزز الاستخدام الأمثل ويحمي صحة الجميع.

تحديات

واختتمت الصيدلانية مآثر بنت محمد الرحبية حديثها بالإشارة إلى أبرز التحديات التي تواجه الصيدليات في معالجة قضية الهدر الدوائي، مؤكدة أن الأمر يتجاوز مجرد صرف الدواء ليشمل تغيير سلوك المرضى وإدارة المخزون بكفاءة. وأوضحت أن عدم التزام المرضى بالجرعات ومدة العلاج يجعل متابعة الاستخدام الصحيح صعبة، خصوصًا عند توقف المريض عن تناول الدواء أو استخدام أدوية منتهية الصلاحية. كما أن شراء الأدوية دون وصفة طبية أو طلب أدوية متعددة في الوقت نفسه يزيد من احتمالية وجود أدوية غير مستخدمة.

وأضافت الرحبية: إن إدارة المخزون بفعالية تمثل تحديًا كبيرًا، لا سيما بالنسبة للأدوية ذات الصلاحية القصيرة؛ حيث قد تنتهي صلاحية بعض الأصناف قبل استخدامها. وأشارت إلى أن نقص التوعية لدى المرضى حول مخاطر الهدر وأهمية التخزين الصحيح يقلل من فعالية أي جهود وقائية تقوم بها الصيدلية، كما أن القيود الإدارية والميزانية المحدودة قد تحد من قدرة الصيدليات على توفير برامج إعادة تدوير أو التخلص الآمن من الأدوية غير المستخدمة. وأكدت أن ضغوط العمل وكثرة عدد المرضى تجعل من الصعب على الصيادلة تقديم متابعة شخصية لكل مريض لضمان الاستخدام الأمثل للأدوية، مما يزيد من احتمالية الهدر الدوائي.

من جانبها، أوضحت الصيدلانية تسنيم بنت حمد الراجحية أن الهدر الدوائي يمثل مشكلة صحية متنامية على مستوى الفرد والمجتمع، وليست مجرد قضية اقتصادية تتعلق باستنزاف ميزانيات المؤسسات الصحية نتيجة تكاليف التخزين والنقل والتخلص من الأدوية منتهية الصلاحية. وأشارت إلى أن ضعف الوعي الصحي لدى بعض أفراد المجتمع، واتجاه البعض إلى ثقافة التداوي الذاتي، إضافة إلى الإفراط أحيانًا في وصف الأدوية من قبل بعض الممارسين الصحيين، يؤدي إلى تكديس الأدوية دون الاستفادة منها.

وأكدت الراجحية أن آثار الهدر الدوائي تتجاوز الجانب المالي لتصل إلى مخاطر صحية مباشرة، أبرزها مقاومة المضادات الحيوية؛ حيث تصبح البكتيريا أكثر قدرة على التكيف مع الأدوية، مما يصعّب علاج العدوى ويزيد من معدلات المرض وفترة بقاء المريض في المستشفى، بالإضافة إلى ارتفاع التكاليف العلاجية والجرعات الدوائية. ودعت إلى أهمية مواجهة الهدر الدوائي من خلال تضافر جهود الممارسين الصحيين والمرضى على حد سواء، عبر تكثيف الحملات التوعوية والالتزام بالإرشادات الطبية لاستخدام الأدوية بشكل صحيح، باعتبار ذلك مسؤولية مجتمعية أساسية لضمان نظام صحي مستدام.

شركة «بيئة»

تسعى الشركة العُمانية القابضة لخدمات البيئة «بيئة» إلى التخلص من الأدوية ونفايات الرعاية الصحية عبر طرق آمنة وصديقة للبيئة، تشمل الفرز والجمع والنقل إلى مراكز معالجة متخصصة، ويتم التخلص من الأدوية غير المستخدمة عبر حرقها في محارق طبية خاصة لضمان عدم تسربها إلى المياه الجوفية أو التربة. وأوضحت الشركة أن آلية التخلص من الأدوية تتم من خلال عدة مراحل، وهي الفرز؛ حيث يتم تصنيف النفايات الطبية والأدوية وتخزينها في المؤسسات الصحية حسب النوع، والتجميع، ويتم التعاون مع الصيدليات والمستشفيات والعيادات لنقل الأدوية غير المستخدمة، خاصة عبر مبادرات مثل «الصيدلية الخضراء»، والمعالجة النهائية؛ حيث تتم معالجة المخلفات الكيميائية والبيولوجية باستخدام تقنيات متقدمة مثل المعالجة الحرارية (الحرق) أو التعقيم، ونقل النفايات؛ حيث يتم نقل النفايات عبر حاويات ومركبات خاصة إلى مراكز المعالجة لضمان أعلى معايير السلامة.

المبادرة الخضراء

وهناك مبادرات مثل «الصيدلية الخضراء»، وهي مبادرة تستهدف استرجاع الأدوية المنتهية أو غير المستخدمة من المنازل، وتُعد مبادرة «الصيدلية الخضراء» إحدى المبادرات الصحية المبتكرة من قبل العاملين الصحيين بهدف تأمين حياة آمنة للمجتمع، وتُطبَّق المبادرة في مركزي عوقد والسعادة الصحيَّيْن، على أن تُعمَّم التجربة على بقية مؤسسات الرعاية الصحية الأولية. وتسعى المبادرة إلى التعرف على مسببات الهدر الدوائي وتراكم الأدوية لدى المرضى، مما يؤدي إلى هدر المال العام.

وجاءت فكرة المبادرة من خلال ملاحظة كميات الأدوية المُرجعة إلى الصيدليات، والكميات التي تجمعها شركات جمع القمامة والمطروحة مع النفايات العادية، وتسعى المبادرة إلى تقليل المخاطر الصحية الناتجة عن التخلص غير الآمن للأدوية والمستحضرات الصيدلانية في المنازل عن طريق رميها في المرحاض أو إمكانية تسربها إلى المياه الجوفية؛ حيث تحتوي الأدوية على مكونات كيميائية ضارة بالبيئة إذا تم التخلص منها مع النفايات العادية.

وتبحث المبادرة زيادة الوعي المجتمعي وتعزيز مشاركة المجتمع لإيجاد ثقافة وعي ومسؤولية بيئية، والامتثال للوائح الصحية والبيئية، ودعم مقدمي الرعاية الصحية عبر توفير إرشادات وموارد توعوية ودورات تدريبية تمكنهم من تقديم النصح والإرشاد للمرضى حول كيفية التخلص الآمن من الأدوية، إضافة إلى التقليل من هدر المال العام، وجمع بيانات الأدوية غير المستخدمة لتكوين قاعدة بيانات يمكن الاستفادة منها في تحليل أنماط الاستهلاك والهدر الدوائي.

شكرا لمتابعينا قراءة خبر أخبار سلطنة عمان | الهدر الدوائي.. من أمل الشفاء إلى مخازن عبء صحي | عيون الجزيرة الاخبارية عمان في عيون الجزيرة ونحيطكم علما بان محتوي هذا الخبر تم كتابته بواسطة محرري omandaily.om ولا يعبر اطلاقا عن وجهة نظر عيون الجزيرة وانما تم نقله بالكامل كما هو، ويمكنك قراءة الخبر من المصدر الاساسي له من الرابط التالي omandaily.om مع اطيب التحيات.

*** تنويه هام ***
موقع عيون الجزيرة لا يمت بأي صلة لشبكة الجزيرة الاخبارية او قنوات الجزيرة القطرية فنحن موقع اخباري خليجي متعدد المصادر

السابق أخبار سلطنة عمان | تواصل الأعمال الإنشائية في ممشى بساتين بولاية وادي المعاول | عيون الجزيرة الاخبارية عمان
التالى أخبار سلطنة عمان | صيدلانية: الإشراف الطبي ضرورة وهوس النحافة والتقلبات المزاجية تهدد النفسية | عيون الجزيرة الاخبارية عمان